افتتح العرض المسرحي الجديد “بنات بغداد” الذي أنتجته مؤسسة رؤيا، بدعم من مؤسسة الأمير كلاوس للثقافة والتنمية، في منتدى المسرح العراقي في العاصمة بغداد في الثالث من أكتوبر الجاري. والمسرحية من إعداد “مركز خطوة للعلاج بالدراما”. وهي مستوحاة من قصص ثمان فتيات من نزلاء دار “زهور الأعظمية” للأيتام في بغداد، يشاركن أيضا بالتمثيل في العمل.

IMG_6866

حنين، 13 سنة، تلعب دور أم عراقية محافظة في “بنات بغداد”. الصورة: مؤسسة رؤيا.

وتناقش الممثلات في مسرحية “بنات بغداد” قضايا إشكالية، يتعلق أغلبها بالشؤون العائلية، من خلال ألعاب الشارع. وتلعب الفتيات أدوارا مختلفة، بعضها رمزي، مثل ذئب يهدد دجاجات في مزرعة، وأب متسلط لأسرة ممزقة، وساحرة شريرة استدعيت لمعالجة مشكلات المجتمع بدءا من الزيجات المرتبة وحتى الحرب في سوريا.

المسرحية نتيجة لمشروع للعلاج بالدراما استمر ثمانية شهور، أطلقته رؤيا في 2015، بدعم من مؤسسة الأمير كلاوس. وهو أول مشروع للعلاج بالدراما من نوعه في العراق. وكانت التدريبات التي سبقت المسرحية على القدر نفسه من الأهمية بالنسبة للمشاركين من الفتيات والمسرحيين المحترفين على حد سواء.

أريد أن أكتب مسرحية تغير الناس. تجعلهم يدركون الأمور السيئة. وأريد أن ألعب دور شخصية قوية في هذه المسرحية- سمر (15 سنة).

مسرحيتي القادمة ستدور أحداثها بعيدا عن الواقع، في الفضاء الخارجي مثلا- نور (15 سنة).

في مارس 2015، بعدما تلقينا التمويل من مؤسسة الأمير كلاوس، تعاوننا مع اللبنانية زينة دكاش، أخصائية العلاج بالدراما والمخرجة الحائزة على جوائز دولية. وقامت دكاش بتدريب ستة من المسرحيين العراقيين المحترفين على العلاج بالدراما في ورشة مكثفة مدتها أسبوع أقيمت في بيروت. وقد تعلموا من خلال الورشة التعامل مع الأطفال والمراهقين الذين فقدوا أحد الوالدين أو كليهما، أو تعرضوا لمعاملة شديدة القسوة.

وعندما رجع هؤلاء المسرحيون إلى بغداد، كونوا مجموعة أسموها “خطوة”. وبدأوا في العمل مع شابات وفتيات من دار “زهور الأعظمية” للأيتام. ومن خلال اللعب، والحركة، والصوت، الحكي، استطاعت البنات التعرف على قدراتهن الإبداعية، واستكشاف شخصياتهن، والتمتع بكونهن أطفالا.

IMG_6861

شيخ مسن يتزوج فتاة مراهقة. أحد مشاهد “بنات بغداد”. الصورة: مؤسسة رؤيا.

وعندما سئلت الفتيات عن المسرحية القادمة التي يريدون إعدادها، جاءت الردود مختلفة. إذ قالت سمر (15 عاما) إنها تود لو أن مسرحيتها “تغير الناس. تجعل الناس يدركون الأمور السيئة، وتوضح لهم كيف يغيرونها. وأحب أن أكون شخصية قوية في هذه المسرحية”. أما نور (15 سنة) فقالت “أريد مسرحية تقع أحداثها بعيدا عن الواقع، في الفضاء الخارجي مثلا. أريد للجمهور أن يستمتع ويشعر بالراحة، وأريد أن ألعب دورا صغيرا فيها”.

وقالت نور إن المشروع قرَّب بين البنات. “كل يوم، بمجرد انتهاء التدريبات، كنا نجلس معا في غرفة عامة للكلام عما حدث في التدريبات. لم يسبق لنا وأن اجتمعنا وتكلمنا بهذه الطريقة من قبل”. وقالت زهراء (17 عاما) إنها استمتعت بالاجتماعات مع المدربين وعقدت صداقات جديدة. أما سها (14 عاما) فقالت إن المشروع علمها أن تعبر عن نفسها وألا تخاف.

The STEP drama therapy group trains in Beirut with award-winning director Zeina Daccache.

The STEP drama therapy group trains in Beirut with award-winning director Zeina Daccache.

المشروع كان يمثل تحديا للممثلات وفرقة “خطوة” على حد سواء  لعدة أسباب، ليس أقلها اختلاف خلفياتهم وخبراتهم، إضافة إلى حداثة هذا المنهج بالنسبة للجميع. وكانت السمة الأكثر إثارة للدهشة هو التحول الذي طرأ على الممثلات أثناء الورشة. يقول الممثل العراقي بهاء خيون، أحد الذين اختارتهم رؤيا للتدريب في ورش العلاج بالدراما “في البداية كن خجولات، لكننا كنا نراهن وهن يكتسبن الثقة ويزددن انفتاحا يوما بعد يوم”. بالنسبة لـ”خطوة”، كانت تلك المرة الأولى التي يعملون فيها مع مراهقين لم يسبق لهم التعرف على فنون الدراما من قبل. يقول: “أعطيناهم أيضا أساسيات الأداء المسرحي، الذي تعلمنه في سرعة فائقة”.

IMG_6885

مجموعة “خطوة” للعلاج بالدراما تتدرب في بيروت مع المخرجة زينة كداش.
من اليسار إلى اليمين: رقية (14 سنة)، نبأ (15 سنة) ونور (15 سنة) في “بنات بغداد”. الصورة: مؤسسة رؤية.

IMG_6841

وقد طلبت مؤسسة رؤيا من أخصائية الأطفال النفسية غزوة فيصل كاظم أن تشرف على المشروع، وأن تتحدث مع الفتيات يوميا. وتقول “لقد طورن ثقتهن بأنفسهن، وتخلصن من بعض مشاعر العزلة التي قد يعاني منها الأطفال ممن يعيشون بعيدا عن عائلاتهم. إن المهارات التي تعلمنها ستظل معهن طوال العمر. وأنا أشجع المزيد من المشروعات المشابهة للأطفال في العراق”.

بحلول سبتمبر 2015، وبمساعدة “خطوة”، كانت البنات قد توصلن إلى تأليف “بنات بغداد”، وبعدها قمن بكتابتها والتدرب عليها في منتدى المسرح العربي.

IMG_6831