تناول الفنان المقيم في البصرة هاشم تايه، أزمة الماء التي تعاني منها مدينته وجنوب العراق، في سلسلة من الرسوم الجديدة. إذ أن السدود التي بنتها البلدان المجاورة على منابع نهري دجلة والفرات قد قلصت من مستويات الماء العذب الذي يجري في العراق. ونتيجة لذلك، فإن مياه البحر القادمة من الخليج زادت من ملوحة شط العرب وفروعه، وجففت الأرض في جنوب العراق. وكان تايه قد نشأ في أهوارجنوب العراق، وهو يكرس معظم أعماله الفنية للحياة المدينية في البصرة، التي يسكنها منذ ثمانينيات القرن الماضي. وفي عام 2013 شارك بمعرض “مرحبا بالعراق” ( Welcome to Iraq )، في الجناح المخصص للعراق ببينالي البندقية (فنيسيا) الخامس والخمسين. وفي هذه المقابلة مع مؤسسة “رؤيا ” تحدث الفنان تايه عن سلسلة أعماله الجديدة هذه وأزمة المياه في البصرة.

تاريخيا، كانت البصرة هي المنفذ الرئيس من وإلى العراق. فالسندباد الذي هو أحد الشخصيات المعروفة في حكايات ألف ليلة وليلة كان بحاراً. كيف صاغت هذه المتاخمة للسواحل النهرية والبحرية هوية المدينة؟
للبصرة، إضافة إلى إطلال مينائها على البحر، مئات الأنهار، وللماء حضور عميق وطاغٍ في حياة البصريين، ويشكل جزءاً من شخصيتهم. إذ عُرف عن البصريين الطيبة والظرافة وروح التسامح والقدرة على التكيف والتحفظ. كان مزاجهم مرناً وسريع التبدل وسخياً مثل الماء. فهم يزرعون ما بين الأنهر، ويصيدون في البحر، ويرعون الجاموس والماشية في الأهوار ويبنون السفن والقوارب والصنادل. يحتفل البصريون كل ربيع بـ “عيد الكسل”، حيث تتنزه العوائل في قوارب على امتداد شط العرب. كذلك تتركز تقاليد أغانيهم ورقصهم وحكاياتهم حول الماء. فالأمهات يروين لأطفالهن قبل أن يناموا حكاية “عبد الشط”، الذي هو غول نهري خرافي مخيف. كذلك لدينا أغاني البحر التي يرددها غواصو اللؤلؤ والصيادون عبر الخليج.

الأغاني تقلد أصوات الموج الصاخب والريح الغاضبة، وعادة تُغنَّى جماعياً في السفينة كنوع من الطقوس لضمان حماية بحارتها. أنا زرت مغنياً من هذا النوع خلال السبعينيات من القرن الماضي في بيته. وبعد أن شرب النبيذ الذي جلبناه له معنا سحب آلة بدائية تشبه الربابة، ثم انطلق في ترديد الأغاني. كذلك هو الحال مع فناني البصرة وكتّابها وشعرائها فإنهم هم الآخرون تأثروا بمياه المدينة. كانت أغنية الفنان الراحل فؤاد سالم “يا بو بَلمَ عشّاري” تصف شوق رجل لحبيبته التي تعيش في قرية حمدان على النهر.

كيف أثرت هذه التقاليد على عملك الخاص بأزمة الماء؟
أنا عشت كل حياتي بجانب الأنهار. فكطفل عشت في بيت من القصب على جدول متفرع من نهر صغير اسمه “نهر الليل”. كان لجدتي “هديدة” التأثير الأول علي، فهي كانت تأخذ قبضات من الطين من الجدول وتشكل منها خيولاً. كان لتاريخ البصرة البحري تأثير غير مباشر على عملي المخصص لأزمة الماء. ففي البداية، أردت أن أرسم أزمة الماء باعتبارها سؤالاً وجودياً، سؤالاً عن الحياة والموت. فهي تهدد الانسان، والشجر والحياة البرية. وكفنان، استخدمتُ صوراً
من أجل التعبير عن حقيقة الوضع الرهيب، والتصحر الزاحف في مدينة الأنهار.

قلتَ من قبل إن مكانك المفضّل في البصرة هو الكورنيش المجاور لشط العرب. كيف أضرت أزمة الماء بالمدينة؟
تغير مناخ البصرة وبيئتها بشكل كارثي، وهما يتعرضان لدمار متواصل، وانحطاط، وتصحر وفقدان الهوية. وهذا يهدد كل الحياة في البصرة. فبيئة المدينة سامّة: التربة، والماء والهواء مملوءة بالملوِّثات. وهذا قد تفاقم أكثر بفضل استخدام الذخيرة المدعَّمة باليورانيوم المشع خلال الحرب العراقية- الإيرانية، والتي أدت إلى إصابة عدد كبير من أبناء البصرة بالسرطان. وقد زعم أحد خبراء البيئة أن نصف سكان المدينة سيصابون بالسرطان خلال السنوات القادمة. كذلك فإن ارتفاع نسبة الملوحة في الأنهار زاد من نسبة الإصابة بأمراض الجلد بين البصريين. ونتج عن ذلك كذلك موت أعداد كبيرة من السمك والماشية والجاموس، كذلك وصلت الملوحة العالية قنوات الري، لتتسبب في دمار الكثير من أشجار النخل وتلحق خسائر كبيرة في زراعة الحبوب. ودفع هذا الوضع الكثير من الفلاحين إلى التخلي عن حقولهم وبساتينهم، مفضلين تجزئتها وبيعها كقطع أراضٍ لشركات بناء المساكن أو لشركات البترول. كذلك ترك مربو الماشية الأهوار وهاجروا إلى المدن.

في رأيك، من يتحمل مسؤولية نقص المياه في البصرة؟
حكومات العراق المتعاقبة تتحمل القسط الأكبر من المسؤولية لنقص المياه في البصرة والعراق. إذ ظلت معالجة الحكومات دائما تميل إلى تقديم حلول غير فعالة وقصيرة المدى. فهي تجاهلت المشكلة وفشلت في اتخاذ تدابير مناسبة لتنظيم استهلاك الماء، وتبني طرائق ري معاصرة، ومنع التبذير. إضافة إلى ذلك فإنها لم تكن قادرة على توقيع اتفاقيات تقاسم المياه أو الضغط على دول الجوار التي تتحكم في مصادر المياه التي تجري في العراق. تلك الدول تتحمل كذلك المسؤولية. فالسدود التركية على نهري دجلة والفرات بما فيها سد إليسو الذي بني أخيراً، قد أنقصت من حجم مجرى المياه في نهر دجلة. في الوقت نفسه، قامت إيران بتحويل مجرى نهرَي كرخه وكارون اللذين يصبان في نهر دجلة، وبنت سدا عبر الزاب، الذي يغذي نهر دجلة. وقد فاقم نقص المياه في العراق من قساوة بيئة البلد الطبيعية.

في إحدى لوحاتك نشاهد شخصا يشرب من كرتون عصير بواسطة قصبة. كيف تظهر الحداثة والحياة الحديثة في البصرة بأعمالك الفنية؟
الشخص يشرب الماء بواسطة قصبة بلاستيكية، من غيمة يجب تصورها مملوءة بالمطر. إنها دعابة سوداء. ماهو غيرمتوقع وفنطازي يحمل قدرا من السخرية المريرة: القصبة البلاستيكية تمص الماء من غيمة عابرة مثلما هو في حلم أو يعيش حالة يأس مستميت. في أعمال أخرى من السلسلة، أصور الماء باعتباره قوة طبيعية تستطيع أن تخترق الأشياء، أو باعتباره قوة أمومية قادرة على منح الحياة.

تعتبر أزمة الماء كذلك باعتبارها تهديدا للبلد. هل ترى أن الفنانين العراقيين يتحملون قدرا من المسؤولية في تناول هذه الأزمة؟ وكيف يجب أن يقوموا بذلك؟
هذا هو بالضبط ما يبعث على القلق الشديد: أزمة الماء تصبح يوما بعد يوم أسوأ فأسوأ. المختصون يتوقعون أن الأنهار ستجف وأن البلد سيتصحر. وهذا سيؤول إلى نزاع مدني. فكفنّان، عليّ أن أعي مسؤوليتي في عكس قضايا مهددة بهذه الدرجة من الخطورة لأساس وجود المدينة. يستطيع الفنانون أن يتناولوا أزمة الماء ضمن إطار اجتماعي واسع يناشد كل أطياف المجتمع العراقي. فهم قادرون على رفع درجة الوعي العام بالمخاطر، وجعل هذه القضايا ملموسة وقابلة على الفهم من خلال المعارض، وورش العمل، والمؤتمرات. أنا آمل أن يساهم فني بقسط ما في هذا، والعمل مع مصادر أخرى من الضغط الاجتماعي لتحقيق التغيير.