ساطع هاشم فنان عراقي مقيم بمدينة ليستر في المملكة المتحدة. ولد هاشم في بُهرِز، المدينة الواقعة في محافظة ديالى المعروفة بدعمها للحزب الشيوعي. انتقل إلى بغداد مع أسرته حين كان طفلا. بدأ هاشم كفنان تعلم الحرفة بنفسه قبل أن يدرس في الجزائر، ولاحقا في معهد فيرا موخينا للفن والتصميم بسانت بطرسبرغ. عاد هاشم إلى العراق ما بين عامي 1980 و1983 للقتال كنصير مع البيشمركة الكردية. انتقل عام 1989 إلى السويد استقر في المملكة المتحدة عام 2000.

يضم إنتاج هاشم الفني كما كبير من الأعمال الفنية التي تعد بالآلاف من الرسوم والتخطيطات والمطبوعات، التي تظهر في تشكيلات منشورة في المتحف البريطاني للفنون المعاصرة، بلندن، وفي متحف الفنون المعاصرة بمدينة كاليننغراد، وفي متحف ليسترت وجاليري الفن، المملكة المتحدة، وفي هاندلسبانكين، بالعاصمة السويدية ستوكهولم، وغيرها. وفي لقائه بـ “رؤيا”يتحدث الفنان ساطع هاشم عن الأسطورة والتجريد في عمله.

ما هي أول صورة تتذكر أنها أعجبتك؟
زرت المتحف العراقي في طفولتي. كانت هناك في المدخل جدارية تصور كهف شانِدَر في چمچمال، حيث عُثر على بقايا من إنسان النياندرتال. وكان هناك قسم مخصص للاكتشافات الأثرية في تل أسمَر بمنطقة بهرز عرضت فيها تماثيل لطيور وأشياء صغيرة أخرى رتِّبت بشكل تصاعدي حسب حجومها. ولعل تلك الأدوات القديمة والصور هي التي جعلتني أصبح فناناً. في بورتريه رسمته مؤخرا لبنت أختي، اكتشفت بعض الملامح المشتركة بين وجهها وقناع سومري لسيدة الورقاء في المتحف العراقي، يعود إلى 3100 سنة قبل الميلاد. وفي رأيي أن هناك كثيراً من النساء العراقيات يشتركن بالملامح مع رسوم قديمة.

في رأيك، ما هو دور الفنان؟
على الفنان أن يكون طرفا فعالا في حياة الشعب، وأن يعكس صراعهم من أجل الحرية والسلطة. في العراق، قرأت كتابا مترجما للعربية ألفه الفيلسوف الأميركي سيدني فنكلشتاين حول الواقعية والفن. وقد دفعني للتفكير في الفن باعتباره فعلا فلسفياً أو سياسياً. كطلاب في معهد موخينا، بمدينة سانت بطرسبرغ، كنا ندرس رسم الجداريات، وقد تعلمنا كيف نصمم تشكيلاتنا كي تتوافق مع السياق والثقافة المحليين. كذلك فأنا بذلت جهودا كبيرة لفهم سيكولوجية اللون وهارمونيته. وحاليا أؤلف كتابا بالعربية عن تاريخ اللون، استنادا إلى بحث شخصي يمتد لخمس وعشرين سنة. فعلى سبيل المثال، اللون الأسود غالبا ما يكون متلازما مع أمور سلبية كالموت والشر. والعراق معروف باسم بلد السواد. مع ذلك فإن الصخور السوداء اكتشفتتها الحضارات القديمة وجلبتها من عُمان قبل 5000 سنة، فهناك ما يقرب من ثلاثين تمثالا لكوديا ( سلالة لكش الثانية) منحوتة على حجر أسود، كذلك هو الحال مع السلالة العباسية في العراق، كانت رايتها سوداء. بالنسبة للعراقيين القدامى كان السواد لونا مقدساً.

Spring, 2016. Courtesy of the artist.

حين كنتَ طالبا، كان للعراق مشهد فني قوي ومؤسسات فنية مشهورة دولياً، ظلت موضع تهديد بسبب الطبيعة الاستبدادية لحزب البعث. كيف تطور عملك في ذلك السياق؟
جعل انتماء أسرتي وانتمائي الشخصي للحزب الشيوعي العيش وممارسة عملي كفنان في العراق أمراً صعباً. يقول البعض إن تنامي الحزب الشيوعي في بُهرِز كان نتيجة لوجود وسط يهودي في المدينة، وهؤلاء قد أخبِروا بوقوع الثورة الروسية بواسطة يهود بغداد. وآخرون يعزون ذلك إلى التواصل الذي جرى بين عمال من بُهرِز وجنود بريطانيين خلال بناء خط السكة الحديدية من بعقوبة إلى كركوك.

كان والدي يريدني أن أدرس الهندسة. وأنا قدمت إلى معهد الفنون الجميلة في بغداد بشكل سري حين كنت مراهقا عام 1974. وقد دُهش شاكر حسن آل سعيد الذي قابلني بمعرفتي بالفنانين العراقيين المعاصرين، لكن طلبي رفِض حين رفضتُ أن أصبح عضوا في حزب البعث. عملتُ موديلا في أكاديمية الفنون الجميلة عام 1975، حيث كان فائق حسن يدرّس. وهناك تعلمتُ كثيرا عن طريق الاستماع إلى المحاضرات والتفاعل مع الطلاب. وكنت أسرق كتبا من المكتبات، وأنقل الرسوم منها. انضممتُ إلى مركز ثقافي للشباب في بغداد، وقد رشِّحتُ لجائزة مخصصة للفنانين الشباب على بوستر بمناسبة الذكرى الخامسة والخمسين للثورة على البريطانيين عام 1920. غير أن الجائزة ذهبت إلى جندي في الجيش العراقي لأنه رسم بورتريه لصدام حسين وأحمد حسن البكر. وفي السنة اللاحقة رسمت حمامة تحمل غصن زيتون. فتلقيت توبيخاً لتمثيلي السلام في اللوحة، وآنذاك كان العراق صريحا في عدائه لإسرائيل والإمبريالية الأميركية. بعد ذلك، توقفت عن عرض أي عمل فني، إذ أصبح في منتهى الخطورة. وفي عام 1978 أعدم حزب البعث 31 شيوعياً، وأنا غادرت العراق في آب (أغسطس) من ذلك العام لتجنب التجنيد الإلزامي.

Satta Hashem, Festival. Courtesy of the artist.

مِثْلَ الكثير من دوائر المثقفين والشيوعيين المنفيين، ذهبت للدراسة في الاتحاد السوفييتي. هل ارتقت الحياة اليومية هناك إلى مُثُلك وتوقعاتك؟
لا يمكنك أن تقارن بين الاتحاد السوفييتي والقمع الذي عشناه في العراق. أنا ذهبتُ إلى الاتحاد السوفييتي عام 1983 وكنت أحمل مُثُلا قوية عن الثورة، التي تضاعفت بفضل عيشي كنصير في كردستان. وقد صدِمتُ بالفقر: كان الناس يقفون في طوابير طويلة للحصول على الطعام أو الجلوس في المقهى، وأنا كنت أقف في الطوابير أيضا. كان أساتذتي وزملائي ينتقدون النظام أمامي لأني كنت أجنبياً. ولم يكن هناك أي شخص يؤمن بالايديولوجيا الثورية. في الوقت نفسه، كنت أحضر عروض باليه وأوبرا آسرة، وغالبا مرتين في الشهر، وكنت أذهب إلى مكتبة روسيا الوطنية لرؤية مجموعات المنمنمات الفارسية، والأيقونات الروسية في متحف الفن الروسي. كان معهد سوريكوف للفن بموسكو، مدرسة رائدة في الفن آنذاك، لكنه كان جامدا وأكاديميا أكثر مما ينبغي. كان معهد موخينا يمر بفترة تجديد، بفضل سياسة الغلاسنوست (الانفتاح) التي انطلقت في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي.

Satta Hashem, from the War Diaries, 1991. Courtesy of the artist.

Satta Hashem, from the War Diaries, 1991. Courtesy of the artist.

 

طالما أنك كفنان فعال سياسياً، إذن لماذا لا ترسم الواقع؟
الواقعية محدودة في الطرائق التي تصور وفقها الحياة الحقيقية. وماذا حول الأشياءغير المرئية؟ أنا لا أقوم بتسجيل الأحداث فقط. أنا أريد المتلقي أن يتأمل ويفكر. أنا أعتبر نفسي رساماً واقعياً من نوع مختلف، لاني أريد ربط عملي بالحياة العصرية. الإسلام هو الدين الوحيد الذي لا يستخدم الصور لنشر عقيدته. ففنه الأساسي يتكون من فني الخط والزينة. إنه صورة من دون صورة. فالجمال هو من دون معنى وهو يجبرك على التفكير، وفنانون مثل مالفيتش وكندنيسكي فهموا وتبنوا هذه المبادئ. نحن كمسلمين اعدنا ارتباطنا بالصور بعد الفترة الكولونيالية. وكانت الحفريات الآركيولوجية قد أظهرت أن تاريخ العراق غني في صنع الصور. التصوير الفوتوغرافي بدأ في العراق خلال العشرينيات من القرن الماضي، والفنانون العراقيون درسوا في الخارج بفضل حصولهم على زمالات دراسية. هذه التغيرات شكلت قاعدة للفن العراقي الحديث. ففنانون مثل جواد سليم وطلابه استوحوا في رسومهم ماضي العراق القديم. وأفكاره أصبحت سائدة في مشهد الفن العراقي. أنا اتخذت قرارا ألا أكون محدودا بالثقافة العراقية المحلية. فأنا استند إلى كل التأثيرات المكتسبة من دراستي في الجزائر وروسيا ومن حياتي في السويد واليونان والمملكة المتحدة.

أنت عشت في المنفى لأكثر من 40 سنة، ومع ذلك فإن التاريخ القديم غالبا ما يكون هو المهيمن في عملك.
التراجيديا متجذرة في تاريخ العراق. أنا أستخدم الرموز القديمة، ومعناها المزودوج تحديداً، للتفكر في هذا. الأسد، على سبيل المثال، يدل على شر ضروري. مع ذلك، فخلال سنوات حياتي أصبح كل عراقي ضحية. في تاريخ العراق القديم، كان إله بابل مردوخ معروفا بأنه إله مسالم وبنّاء. وفي الشمال، كان الحكام الآشوريون يسبكون أنفسهم في قالب مقاتلين. أنا أنظر إلى هذين المعنيين: البناء والقتال للتفكير في وضعنا الحالي.

كيف ستعيد تكوين “الوطن” اليوم في عمل فني؟
رسمي الأخير”مهرجان” هو حول احتفالات العيد في بُهرِز. نحن كنا نذهب كعائلة إلى المقبرة لإحياء ذكرى أحبائنا. وبعد حرب الخليج الأولى أصبح واضحا أني لن أعود أبدا إلى العراق. العراق بالنسبة إلي ما عاد حقيقياً، كمكان مادي. إنه فكرة.