حسن بلاسم، كاتب وسينمائي عراقي، حصلت مجموعته القصصية “المسيح العراقي” على جائزة إندبندنت للقصص الأجنبي سنة 2014. يتناول حواره هذا مع مؤسسة رؤيا تجربته كطالب يدرس السينما في فترة العقوبات، ورحلته إلى أوربا، والأنطولوجيا التي يقوم بتحريرها لتصدر قريبا بعنوان “العراق +100”.

تموز ٢٠١٤

Cropped

ـ ما الحكاية الأولى التي تتذكر أنها حكيت لك؟

كانت رواية فرنسية للمراهقين قرأتها مترجمة. لعلها كانت “الفرسان الثلاثة”. كانت مليئة بالحركة وحكايات الفروسية. وأجدها، بأثر رجعي، تجارية، ولكن القصة بقيت معي.

ـ في “المسيح العراقي، تلاحظ سلوان أنه لا وجود لقسم خاص بالفنتازيا في الأدب العربي. هل تؤمن ككاتب بهذا؟

يفتقر الأدب العربي إلى الأجناس الأدبية الفرعية، وأنا أنتقد هذا. ليست فيه تنويعات من قبيل أدب الغرب الأمريكي. ليس لدينا أدب فنتازي أو سريالي أو حربي. خطابنا الوحيد يتعلق بالواقع فلا نغامر بالدخول إلى مناطق جديدة. أقوم الآن بتحرير أنطولوجيا قصصية بعنوان “العراق +100”. والكتّاب مندهشون ويتساءلون: لماذا العراق في مائة عام؟ هذا يعني بالنسبة لهم العثور على حلول سياسية للبلد.

ـ ما الدور الذي يلعبه السحر والرعب في “المسيح العراقي”؟

غالبا ما تصف الصحافة العالمية أعمالي بالواقعية السحرية. والرعب كامن في خلفية كتابيّ “مجنون ساحة الحرية” و”المسيح العراقي”، وإن يكن في “المسيح العراقي” مزيد من عناصر الكومديا السوداء، وانعكاس للبيئات التي انبعثت منها القصص. فانفجار سيارة في السوق، يما يفضي إلى موت أطفال، واقعة حقيقية لكنها في الوقت نفسه قصة رعب.

ـ من أكثر الكتّاب إثارة لإعجابك؟

أحب الكتاب العراقيين إلي، بل الذي يقوم بيني وبين أعماله رابط روحي هو صديقي عدنان المبارك المقيم في الدنمارك. وفي الوقت الأخير، أحببت أعمال الكاتب الياباني هاروكي موراكامي والكاتب الأمريكي بول أوستر.

ـ بعد فيلمك “جرح الكاميرا”، هربت من العراق إلى فنلندا. ما الذي جعل الفيلم مثيرا لكل هذا الجدل؟

حينما كنت أدرس السينما في أكاديمية الفنون كنت أتعرض لمضايقات أساتذتي فهربت إلى كردستان. تم التحقيق معي أكثر من مرة هناك من خلال أستاذ كان عضوا في حزب البعث. قال لي “إذا لم تتأدب، سأرسلك وراء الشمس”. فما الذي كان يعنيه ذلك؟ لا أعرف. لم أكن نشطا سياسيا. صدام كان لا يزال في السلطة، فكل من كان ينشط سياسيا كان يواجه الإعدام. كانت منطقة كردستان في العراق تتمتع بالحكم الذاتي. فكان من يذهبون إليها من العراق يعتبرون أوتوماتيكيا منشقين في بغداد، فكان ذلك خطرا على عائلتي. منحت نفسي اسما كرديا هو آزاد عثمان، الذي يعني “رجل حر” باللغة الكردية ، ونفذت فيلم “جرح الكاميرا” عن التهجير القسري لملايين إثر دخول جيش صدام إلى كردستان بعد انتفاضة 1991. هاجر الناس إلى الجبال وبقوا هناك مشردين على الحدود وقد تقطعت بهم السبل. كان الفيلم نقدا مباشرا للسلطات وتعاملها مع الأكراد. كانت قصة كردية.

Cropped1

Cropped 3

ـ لماذا تركت كردستان؟

كان الأكراد خارجين للتو من حرب  أهلية بين الأحزاب الكردية المختلفة. كان الوضع في غاية الصعوبة ولم يكن الرجوع إلى بغداد ممكنا. استغرقت أربعة أشهر حتى أصل إلى فنلندا.

ـ ما الذي جعل الرحلة على ذلك القدر من الصعوبة؟

عبرت من كردستان إلى إيران سيرا على قدميّ. واستغرقت أياما عبر الجبال وصولا إلى تركيا. ولما وصلت إلى اسطنبول كنت لاجئا ومهاجرا غير شرعي. عملت بصورة غير شرعية في مطاعم، ومصانع، وحدائق. وكان رؤسائي غالبا ما يستغلون وضعي فلا يدفعون لي غير الحد الأدني. احتجت سنة ونصف سنة لأدخر ما يكفي أن ينقلني المهربون إلى بلغاريا. حاولت أربع مرات وفشلت. وفي كل مرة، كنت أرجع إلى اسطنبول وأبدأ من جديد. وحينما وصلت أخيرا إلى بلغاريا، رحت أعمل بصورة غير شرعية في مطاعم، وتعرضت لحادث فقدت فيه إصبعي. ادخرت لأكثر من سنة، لأدفع للمهربين كي أصل إلى مستقري الأخير في الرحلة. ذهبت في شاحنة إلى صربيا، ومضيت إلى المجر، ثم فنلندا. الهجرة غير الشرعية إلى أوربا خطرة. وكانت صعبة بصفة خاصة على النساء والأطفال الذين قابلتهم خلال الرحلة، ممن كانوا قادمين من باكستان عبر إيران. كل فرد كانت له حكايته الأليمة.

ـ وأنت تدرس السينما في بغداد، ما الأفلام التي كنت تعمل عليها؟

كنت أدرس السينما في فترة العقوبات المفروضة من الأمم المتحدة على العراق في تسعينيات القرن الماضي. كان العمل في الأكاديمية شبه قائم على أحسن تقدير، ولفترة طويلة لم يكن يجري إنتاج أفلام قصيرة. وفي الثمانينيات كانت الحكومة تنتج أفلاما حربية دعائية من قبيل “قادسية صدام” وهو عمل ملحمي عن الحرب الإيرانية العراقية. كان فيلمي الأول وثائقيا عن رجل شديد الفقر، وكان فيلما طلابيا بميزانية وقيمة إنتاجية منخفضة. ولكنه أحدث تأثيرا. فلم يكن أحد يفكر في تنفيذ أفلام بأي طريقة أخرى، إذ لم يكن أحد يجرؤ على إنتاج الأفلام. كما عملت على سيناريو لفيلم قصير عن شخص يأتي من الريف إلى بغداد باسم “بياض الطين”.

hassan_blasim_photos_9-10

Cropped4

ـ هل لديك مشروع سينمائي جديد؟

تلقيت دعما كبيرا من مؤسسة السينما الفنلندية لتحويل قصتيَّ “مجنون ساحة الحرية” و”الأرشيف والواقع” إلى فيلم. هي قصة سائق عربة إسعاف تختطفه جماعة تبيعه لجماعة أخرى ليباع من جديد لجماعة أخرى وهكذا. هناك قدر كبير من الفنتازيا والكومديا السوداء.

ـ أين يوجد وطنك؟

الوطن؟ حينما خرجت من العراق للمرة الأولى، كنت أشعر بحنين إلى الوطن، لكنني وقد عشت في أماكن كثيرة، أشعر الآن أنني رحالة. العالم أصبح فندقا. لي غرفة في بغداد، وغرفة في هيلنسكي، وغرفة في بلغاريا … العراق جزء مني ومن تاريخي لكن الوطن لديّ هو الأقربون إليّ، ابني، وصاحبتي، وأصدقائي وعملي.

 ـ ما المكان الأحب إليك في العراق؟ وكيف يمكن أن تصفه في قصة؟

شارع المتنبي الذي كان يجمع كل الكتّاب والفنانين في بغداد. كنا نسميه رئة بغداد. كان المكان الوحيد الذي يمكننا أن نتنفس فيه بحرية. ويظهر في خلفية بعض قصصي، مثل “ألف سكين وسكين”، وهي القصة الأخيرة في مجموعة “المسيح العراقي”. يذهب إليه شخص يبحث عن المعرفة. لعلي أكتب عن المتنبي مباشرة في يوم ما.