أسماء الأنباري فنانة بصرية ومديرة مشروعات إبداعية ولدت في العراق وتقيم في لندن. تتعاطى أعمالها مع موضوعات الهوية والحوار بين الثقافات، من خلال التصوير الزيتي والفوتوغرافي للجسد البشري. تشرف على أنشطة ومشروعات فنية عامة، مثل المعارض وغيرها من الفعاليات الثقافية التفاعلية. ومن بين الأمثلة على تلك المشروعات ورشة عمل بعنوان “التنمية الذاتية من خلال الفن” يستضيفها “جاليري ساتشي” في لندن، أسستها الأنباري وتشرف على التدريب فيها. هذه الورشة كانت أول برنامج في لندن يعتمد على التنمية الذاتية للمتدرب بدلا من تعليمه كيفية إتقان أساليب جاهزة. ومؤخرا، شاركت الأنباري في الإشراف الفني على معرض In Between (بَيْن بَيْن)، أيضا في جاليري ساتشي. وقد حصلت مؤخرا على درجة الماجستير في الفنون الجميلة من كلية تشيلسي للفنون بلندن. وتتميز رؤيتها بكونها عابرة للثقافات وعابرة لمجالات المعرفة، وهو ما يتبين من درجاتها العلمية السابقة، حيث درست في “كلية العمارة المتخصصة” في باريس، وأيضا في “كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية”.

Alanbari-MAFAatChelseaCollege-Fantasmaa

فانتاسماء”، 2015، أسماء الأنباري”

تتعامل أعمالك مع الهوية والجسد والمجاز، فكيف تستكشفين تلك التيمات؟
لقد ولدت في بغداد وقضيت معظم سنين حياتي في باريس والولايات المتحدة ولندن وباتاجونيا. وأنا أنتمي لكل تلك الثقافات، وأفهم الهوية باعتبارها شيئا سائلا ومتغيرا. الأماكن لديها قدرة على سكنى الجسد، بل والروح بدرجة ما. أنا أبدع صورا عارية روحيا، حيث المجازات البصرية تمثل أجزاء الجسد. في لوحتي “رؤية للسلام”، استخدمتُ صورا التُقطت بالأقمار الصناعية للمدن لكي أصور الدواخل الروحية لا الخوارج الجسمانية. الرأس والصدر هما صورة لبغداد، وساقا السيدة هما في الواقع صورة بالقمر الصناعي لنهر التايمز في لندن، أما الجذع فهو نتاج لمدينتين متداخلتين ليصورا أحشاء هذه السيدة.

الجسد المادي هو التعبير الأكثر أمانة عن المرء. وفي الكثير جدا من الأحيان يمثل مرادفا للجنوسة، التي هي، في واقع الأمر، ليست سوى تجلٍ واحد من تجليات الجسد البشري، ذكرا كان أم أنثى. وهنا أحيل إلى الكاتبة والطبيبة والناشطة الحقوقية نوال السعداوي عندما أقول إن الملبس والزينة وحجاب الرأس والعلامات التجارية العالمية هي مجرد أشياء يلجأ المرء إليها لكي يحظى بقبول ذاتي واجتماعي. مثال آخر هو لوحة “الهلال الخصيب الثاني”، حيث استخدمتُ قصاصات جرائد تحوي أخبارا مهمة كمجاز لأجزاء الجسد. كنت ساعتها مشغولة بالصور التي التقطت لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وهي تدمر الآثار، واستخدمت هذه الصور لتثبيت ثقل ما في ساقيها. لقد شعرت بالأمل عندما قرأت المقالة التي كتبها المخرج السينمائي “لوك بيسون” بعد الهجوم على صحيفة “شارلي إبدو” في باريس، والتي تحسر فيها على استغلال اسم الإسلام عن غير حق من أجل تأجيج العنف السياسي. والنتيجة، كما ظهرت في لوحتي، هي صورة لامرأة أحشاؤها هي تسجيل لعصرها، لتاريخنا، بالمعنى الحرفي للكلمة.

Vision of Peace, 2013. Courtesy of the artist.

رؤية للسلام”، 2012، أسماء الأنباري”

Fertile Crescent, 2015. Courtesy of the artist

الهلال الخصيب الثاني”، 2015، أسماء الأنباري”

 

Inbetween-Alanbari-DetailLucBesson-FertileCrescentII

تفصيلة من “الهلال الخصيب الثاني”، أسماء الأنباري، 2015

كيف تطورت أعمالك، أو تغيرت، منذ التحاقك بكلية الفنون في تشيلسي قبل عام؟
أصبحت أشعر بالرضا عن عملي الفني عندما أجد فيه شيئا حيويا. يجب أن يتكون العمل من طبقات عدة من المعاني، وأن يكون قابلا للتأويل الشخصي من قبل المشاهد. في أطروحتي المعنونة “فانتاسماء”، تتداخل صور فوتوغرافية لعدة طبقات من الضوء المنعكس لتخلق منظرا طبيعيا داخليا. وفيها أُظهر العالم المادي الخارجي، وفي الوقت نفسه أُظهر دواخل الشخص موضوع الصورة.

عملتِ كمدير إبداعي للمعرض الفني المسمى “بَيْنَ بَيْن” في جاليري ساتشي، فماذا كانت رؤيتك؟
راودتني فكرة المعرض لأنني أستطيع عادة أن أتماهى مع أناس وأفكار ووجهات نظر متناقضة للغاية. فأنا مثلا معاصرة، وأنا تقليدية. أنا شرق وأنا غرب. أنا حرة وأنا لست كذلك. لقد أدركت في نهاية المطاف أن الهوية ليست مسألة جامدة، بل هي في حالة سيولة. وسحرتني فكرة الـ”بَيْن بَيْن” بوصفها حالة وجود مشروعة. إنها احتفاء بما هو استثنائي، بالناس الذين يسيرون عكس الاتجاه السائد، أولئك الذين يقفون على الهامش، أو أولئك الذين سيقفون على الهامش في لحظة ما.

Inbetween-PV

افتتاح معرض “بَيْن بَيْن” للفنون في “جاليري ساتشي”، 2015

شاركتِ في الإشراف الفني على المعرض مع الفنانة الإسرائيلية “إيدين لازانيس”. ماذا تأملين أن يحقق التعاون الفني بين عراقية وإسرائيلية؟ وماذا تعلمتِ من التجربة؟
هي إسرائيلية نعم، لكنها ناشطة من دعاة السلام، تفعل كل ما بوسعها لمناهضة الظلم الذي يعيشه العرب اليوم في فلسطين، سواء من خلال خياراتها التصويتية أو من خلال قدراتها الفنية. من المهم بالنسبة لنا أن نمكِّن أناسا مثل إيدين، الذين يشكلون اليوم أقلية في بلدانهم، لكي تُسمع أصواتهم بشكل أفضل. علينا أن نعرف وأن نُظهر أننا قادرين على التعاون وعلى السلام عندما تتحقق المساواة.

DSC_0037.JPG

“تنمية ذاتية عبر الفن”، ورشة بإشراف الأنباري في جاليري “ساتشي”، لندن.

هل يمكن أن يساهم الفن في حل صراع مثل الصراع العربي الإسرائيلي؟ وكيف؟
الأفكار المثالية حول السلام قد تكون صعبة التحقق، لكن الفن يمكن أن يمهد للتغيير عن طريق خلق أشكال جديدة من المجازات وأنواع جديدة من التعاون. الفكرة المثالية هي في جوهرها حلم، حلم مراوغ وغير ممسوك. وعندما يمنح الفن هذا الحلم شكلا وهيئة، فهو يقرِّبه خطوة من أن يتحول إلى حقيقة، لأنه يوفر له أول لبنة من لبنات البناء. الفن يمس الذات العاطفية، وتأثيره قوي لأنه قادر على تحريك مشاعر الناس بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية. لنفكر مثلا في شخص ممرور سياسيا يستمع لموسيقى (الإسرائيلي) دانييل بارنباوم الكلاسيكية. هذا الشخص سوف يستمتع بالموسيقى على المستوى الغريزي المادي قبل أن يتذكر من أي بلد أتى الفنان.
ختاما أقول، إن دوري هو تذكير الناس بإنسانيتهم، وإبداع موضوعات وخبرات مليئة بالحياة.

 

portrait-artist-AsmaaAlanbari

أسماء الأنباري، أمام لوحتها “أمل”، 2013

للمزيد من المعلومات عن أسماء الأنباري:
www.babylonart.com